لماذا لم يلد العرب شكسبيرهم؟
من سنين وأنا أسأل نفسي: ليه ما عندنا في العالم العربي مسرحيات تعيش؟ مسرحيات تنذكر؟ زي روايات نجيب محفوظ، أو أفلام يوسف شاهين، أو حتى أغاني أم كلثوم؟ ليه المسرح تحديدًا – وهو من أقدم أشكال الفن – دايمًا مهمّش؟ حتى مصر، اللي كانت زمان رائدة في الفن والدراما، ما قدرت تطلع لنا بمسرحيات تعيش في الذاكرة الثقافية مثل ما الغرب عنده شكسبير، أو حتى المسرح الفرنسي والروسي اللي يصكك في أعماقك وما ينتهي مع آخر تصفيقة
مسرحنا العربي ما بدأ من جذوره، بدأ مستورد. الاستعمار جاب لنا المسرح كجزء من “تمدين الشعوب”، فصار الفن هذا من أول لحظة غريب عن بيئتنا. المسرح الشعبي اللي كان موجود عند العرب زمان – مثل الحكواتي أو القصخون – ما اعتبروه “فن مسرحي حقيقي”. فبدل ما ننطلق من بيئتنا، حاولنا ننسخ الأوروبي، بس لا إحنا قدرنا نقلده مضبوط، ولا عرفنا نخلق شي من أنفسنا.
وفوقها، السياسة لعبت لعبها. أغلب البلدان العربية ما أعطت المسرح أي أمان. إما يخافونه، أو يحاصرونه، أو يسكتونه. المسرح مكان خطر لأنه يواجه الناس بالواقع، يقول أشياء مباشرة قدام جمهور حيّ. يعني ما في مجال للمونتاج ولا التحريف. فصار المسرحي دايمًا إما “مشاغب” أو “عدو”، إلا إذا ضحّك الناس بس
ما أقدر أنكر إن مصر في فترة من الفترات كانت فعلاً متقدمة، خصوصًا في الخمسينات والستينات. كان فيه مسرح محترم، ونصوص من توفيق الحكيم، يوسف إدريس، سعد الدين وهبة… أسماء كبيرة. لكن المشكلة إن ما تم استثمار النجاح. الدولة كانت وقتها تدعم المسرح، بس بعد كذا صار التوجه كله للسينما والتلفزيون، لأنهم أسهل وأسرع في الانتشار، وفلوسهم أكثر.
وبعد فترة، صار المسرح أداة ترفيه، خصوصًا في القطاع الخاص. المنتجين ما صاروا يدورون على نصوص تخلّد أو تحرك الوعي، صاروا يدورون على “يضحّك؟ يمشي!”. فجأة صار المسرح عبارة عن فاصل كوميدي طويل، مليان نكت ثقيلة على النفس، وبكركترات مبالغ فيها.
حتى الجمهور تغيّر، وصار يشوف المسرح كأنه فاصل للتسلية، مو كأنه حاجة ممكن تغيّر وجهة نظره في الحياة. المسرحيات اللي تطلع دايمًا مكررة، ما فيها تحدي، ما فيها فلسفة، ولا حتى صدق
أنا مو ضد الكوميديا، بس الكوميديا اللي نعيشها الآن؟ تهريج. نكت على الوزن، وضحك بالصرخ، وممثلين يقطعون بعض بكلام سوقي عشان الجمهور يضحك. الكوميديا اللي كان فيها نقد اجتماعي ذكي؟ راحت. مسرحية مثل “الواد سيد الشغال” كانت فيها ضحك، بس كان فيها موقف. اليوم؟ ما فيه لا موقف ولا معنى، بس سخف
في السعودية المسرح أساسًا ما انطلق إلا متأخر، وكل مرة يحاول فيها يرفع راسه، تجيه صفعة من شيخ أو فئة محافظة.
بعض الشيوخ حاربوا المسرح من أول يوم. أي شي فيه مختلط؟ حرام. فيه ضحك؟ حرام. فيه بنت تطلع على المسرح؟ فتنة. فيه نقد؟ زندقة. صار الفنان في نظرهم شيطان ماشي على رجلين من أشهر الأحداث مطاردتهم لناصر القصبي وتكفيره في منصاتهم . وفترة طويلة كانت الهيئة تمسك فنانين المسرح وكأنهم مجرمين.
وأنا ما أقول الكلام هذا من فراغ، نعرف حالات ومسرحيات تم منعها، وناس انسحبوا من الساحة لأنهم تعبوا من النظرة الدونية لهم. حتى لما بدأ الانفتاح، تبيّن إن الجمهور السعودي متعطش للمسرح، بس وين النصوص؟ وين المدارس المسرحية؟ وين التدريب؟ كان كل شي مؤقت، استعراضي، وبتصريح
اما المسرح الكويتي
الستينات والسبعينات كان فيها تجارب مسرحية ترفع الرأس، مثل مسرحيات فرقة المسرح العربي وفرقة المسرح الشعبي. كان فيه كتاب محترمين مثل صقر الرشود، خليفة العليوي، عبد العزيز السريع. اشتغلوا على مسرحيات تناقش الاستعمار، الهوية الخليجية، قضايا الطبقية، والمرأة، وحتى الفساد.
بس المشكلة؟ كثير منهم سُكتوا، أو غابوا، أو تم تهميشهم لحساب نجم الكوميديا اللي “يضحّك الناس وما يزعّل الرقابة”
مثلا تجربه
عبد الحسين عبد الرضا كان نجم كبير، بلا شك. ممثل عبقري من الطراز الأول، وصاحب كارزما نادرة. لكن المشكلة ما كانت فيه كشخص، بل في النظام المسرحي اللي تحوّل من مشروع جماعي إلى مشروع “نجم فردي”. المسرح صار يتمحور حول نجم واحد، والنص يتم تفصيله عليه، والبقية مجرد تمثيل حوالينه.
وهنا انقلب المسرح الكويتي من منصة فكرية إلى منصة استهلاكية، مسرحية موسمية تعرض في العيد، وتُصور بعدها تلفزيونيًا، وتُستهلك كوميديً
في الكويت، الرقابة السياسية والدينية والاجتماعية كلها اشتغلت مع بعض ضد المسرح الجاد. صارت الرقابة تقطع نصوص، وتمنع عرض، وتخاف من أي طعنة رمزية تجاه الدولة أو الأسرة أو الدين.
فصار المسرح يشتغل على خطوطين:
إما كوميديا شعبية سطحية تمشي على الخط الآمن.
أو مسرح نخبوي محصور في المهرجانات، يحضره بس أهل الوسط الثقافي.
النتيجة؟ الجمهور العام صار مرتبط بمسرحيات مثل باي باي لندن أو فرسان المناخ، وهي عروض ممتعة بس سطحية جدًا، و”تتمسخر” على الوضع بدل ما تشرّحه أو تواجهه
في الألفينات، نزل المسرح الكويتي إلى أسوأ مراحله:
مسرحيات تُكتب بسرعة، من أجل عرضها في الأعياد فقط، بطولة نجم معروف، مع سيناريو مليان نكات مكررة، ومؤثرات مبالغ فيها، ورقص استعراضي لا يخدم أي قصة.
صار العرض يعتمد على:
صوت عالي + حركات بهلوانية + شخصية “بو فزعة” + بنت ترقص + نهاية سخيفة.
مسرح بلا نص. بلا فكرة. بلا جدوى.
وهنا فقد المسرح الكويتي أي هوية حقيقية. صار فن “المناسبة”، مو فن “القضية”
اما المسرح السوري
كل ما يُذكر المسرح السوري، يندفع الناس بكليشيه محفوظ: “يا أخي كان عندهم سعد الله ونوس!”، كأن ونوس بطاقة تأمين دائمة ضد أي فشل لاحق. بس خلونا نكون صادقين: المسرح السوري، رغم عمقه الظاهر، وقع في نفس المستنقع اللي غرقت فيه باقي التجارب العربية، بس بطريقة مختلفة – أكثر نخبوية، أكثر اغتراب، وأحيانًا أكثر ادّعاء
المسرح السوري وقع ضحية إيديولوجيا ثقيلة. اليسار لعب دور كبير – لحد الإفراط – في صياغة خطاب المسرح، خصوصًا من السبعينات للثمانينات. صار الفنان السوري يكتب وكأنه يلقي بيان سياسي، مو يروي قصة بشر. تحوّلت المسرحيات إلى خطب طويلة، تجرّك لجلد الذات، وتحليلات طبقية، ونقد للاستعمار، لكن بدون أي حس درامي، أو عاطفي، أو حتى إنساني.
والغريب؟ رغم كل هذا النقد في النصوص، المسرحي السوري ظل متواطئ – بشكل أو بآخر – مع النظام اللي يعطيه إذن العرض، ويموّل المهرجانات، ويحضرها كبار الضباط
الدولة السورية دعمت المسرح، بس الدعم كان شكلي أكثر من كونه عميق. مسارح الدولة (مثل الحمراء أو القباني) صارت أماكن احتفال أكثر من كونها مختبر إبداع. تُصرف الميزانيات، تُقام المهرجانات، تنطبع البرامج، وتُرفع صور بشار الأسد على كل بوستر… وبعدها؟ ترجع الصالة فاضية ١١ شهر
خذ مثال: فايز قزق، واحد من أعظم من وقف على الخشبة عربيًا، لكن كم عدد الأعمال اللي قدر يقدّمها فعلًا بحرية كاملة؟ قليل. وكم مرة خرج المسرح من إطار ورشات المعهد العالي للفنون المسرحية؟ نادرًا.
صار المسرح يدور في حلقة مغلقة: طلاب المعهد، يشتغلون مع خريجين المعهد، يعرضون في قاعات المعهد، ويناقشهم أساتذة المعهد… والمجتمع؟ خارج الصورة تمامًا
ليه صرنا نعيش على المسرح الاستعراضي؟
صارت المسرحيات عبارة عن حفلة فيها مؤثرات، وإضاءات، وغناء، وأزياء، وكل شي… إلا النص. كأن المنتجين قالوا: “أهم شي تبهر الناس، مو تفكرهم”. العرض يبغى يرضي كل الناس، فصار مفرّغ من أي هوية. ما فيه موقف. ما فيه وجهة نظر. حتى النصوص، بعضها ينكتب في يومين، وفيه ممثلين ما يعرفون أصلاً إيش يقولون على الخشبة إلا وقت العرض
طيب فيه أمل؟
أنا أقول: فيه، بس مو بسهولة.
فيه تجارب حلوة طلعت من الخليج، من العراق، من المغرب، من تونس… بس أغلبها يظل محلي، وما يلقى دعم إعلامي كافي. الشباب عندهم طاقة، يكتبون، يخرجون، ويحاولون، بس ما فيه منظومة تحتويهم.
المشكلة مو في الفنان، المشكلة في البيئة، في الإعلام، في التعليم، في النظرة العامة. محتاجين نبدأ نعلّم المسرح من المدرسة. نعلّم عيالنا كيف يشوفون مسرح، كيف يفكرون فيه. نبغى جمهور ذكي، مو جمهور جاي يضحك وبس
و الافضل نحاول ناخذ طريقه تطوير الغرب لمسرحهم فقط !
خليني أكون واقعية. المسرح الغربي مدعوم من الدولة، من المدارس، من الجامعات، من الصحافة، من المؤسسات الخاصة. فيه جمهور يروح المسرح كل أسبوع، عنده اشتراك سنوي. عندهم أعمال تدرس في المدارس. فيه مسرحيات من القرن الـ18 ما زالت تُعرض، ويجددونها بأساليب جديدة.
إحنا؟ ولا حتى مسرحية من 20 سنة ينعاد عرضها. ولا فيه أرشيف مسرحي حي. ولا فيه نقاد مسرح يُحترمون. كل شي قائم على مجهود فردي، ولما تموت التجربة، تموت معها كل الذاكرة
الخلاصة؟
مسرحنا العربي فشل لأنه ما أخذ فرصته من البداية. وانضرب من كل جهة: من الشيوخ، من السياسات، من المجتمع، ومن الفنانين اللي استسهلوا الطريق. بس الأمل موجود، إذا بدأنا من تحت، نغيّر نظرتنا، ونصنع مسرح يحترم عقول الناس


المسرح اختراع يوناني و ليس عربي فاتوقع هذا من الأسباب الرئيسية التي جعلت العرب لم يصلو إلى درجت الإبداع فيه كما هو حال الغرب و دليل على كلامي ان هناك الكثير من العلوم التي اخترعها العرب و ابدعو فيها لدرجة لم يتركوا مجالا للإبداع لغيرهم
هو صراحة المسرح اتجه اليه العرب ليس بمبدأ الابداع والفّن وانما بمبدأ الرأسمالية ، فالمضمون ومحُتوى المسرحية لا يُهم ان يخدم قضية او لا .. ما يُهم انه يجذب اكبر جمهور ، فَـ لبّت الكوميديا هذا الطلب ، واصبح المسرح يحلب فيها الى يومنا هذا ..
وهي ايضاً قد تكُون فكرة دخيلة في ثقافة بعّض الدول .. فخوض صراع معها هو فعل حتمي لظُهورها ..
وفالحقيقة العرب ليسو بحاجة للغرب للنهُوض او للتطور ، هُم بحاجه لأن يُعطوا انفسهم مساحة ليتفكّروا ويُعيدوا تشغيل ادمغتهم لا أن يتبعو نهج مُعين او طريقة مُعينة او ان يجدو خريطة واضحة المعالم ليتحركوا، فنوابغ السابقين منا كونت حضارة هذا الغرب الذي نتطلع لأن نكون مثله .. وأخرتنا نحن قروناً عنهم لاننا توقفنا عن التفكير.
لكنّ ضُعف القُدرة على التعبير والخوف من ردات الفعل او "السُمعة" .. يكبُت الكثير ويُفقد الشخص القُدرة على الابداع وانتاج قيمة حقيقية .. وهذا نهج السياسة والتسييس لكُل شيء ، رُبما هذا القمع هو سبب تأخرنا الفكري الفاضح بيننا وبين مُجتمعاتهم التي تقوم الى الآن على علوم اغلبها من عُلمائنا ..
هي لحظات حسرة حقيقةً وتمني لكن
لو أخذ العرب لحظةً ليُفكروا فقط ، سيعلون بخُطى ثابته .