أول درس في الغربة كيف تركض!
حين أُغلِق باب الشقة خلف والدي في ذلك الصباح البعيد، أحسست أنّ قطعة مني خرجت معه. كان صوته يتلاشى شيئًا فشيئًا في الممر الطويل، ومع كل خطوة يخطوها بعيدًا عني، كنت أشعر بالمدينة تبتلعني أكثر فأكثر. مدينة غريبة، بلا ملامح مألوفة، بلا وجوه أعرفها، بلا رائحة تشبه بيتنا. بقيتُ وحيدة في تلك الشقة الصغيرة، والجدران البيضاء من حولي تنظر إليّ وكأنها تسخر من ضعفي.
بعد لحظات من الصمت، استوعبت فجأة أنّني لا أعرف شيئًا عن الطريق إلى جامعتي. حملت بطاقتي الجامعية بيدي، تقلّبتها بين أصابعي، قرأت اسم الجامعة عشرات المرات، وكأن الحروف ستتحول فجأة إلى خريطة. لكنني لم أفعل شيئًا سوى أن أعدتها إلى حقيبتي، وأقنعت نفسي أن هناك متّسعًا من الوقت... حتى وجدتني بعد أيام قليلة أحتضن الحقيقة المرّة: لم يبقَ سوى خمسة أيام على بدء الدوام، وأنا ما زلت أجهل الطريق.
كنتُ دائمًا أقول إن الكسل جزء من تكويني، جزء من هويتي، ولم أجد في نفسي أي استعداد لخوض مغامرة البحث عن الطريق قبل أوانه. لكن في صباحٍ مشرق، نسيمه يغازل ستائر الشرفة، جاءني شعور غريب، شعور تحدٍّ لم أفهم مصدره. وقفت أمام المرآة، رمقت وجهي، وحدّثت نفسي:
– اليوم..سوف أذهب.
ارتديتُ معطفي، حملت حقيبتي على ظهري، وشددت الوشاح حول عنقي، كمن يتهيأ لمعركة. خرجت من الشقة، أغلقت الباب خلفي، وفي قلبي شيء بين الحماسة والخوف.
ركبت الحافلة، وجلست قرب النافذة. كانت المدينة تمرّ أمام عينيّ ببطء، أبنية شاهقة، محلات بواجهات زجاجية لامعة، ولافتات بلغات لم أعتد عليها. وبين كل هذا، كنتُ أفكر: "أين عليّ أن أنزل؟" لم أقرأ اسم المحطة في البطاقة، ولم أحاول تذكّر أي معلم. كنت أتصرف وكأنني في مدينة أعرفها منذ الولادة.
حين اقتربت المحطة التي نزل فيها معظم الركّاب، شعرت بتيار غريب يدفعني للنزول معهم. قلت في نفسي:
– لماذا لا؟ يبدو مكانًا مناسبًا.
نزلت، وإذا بالمكان واسع، الأرصفة ممتدة، والناس يعبرون في صمت، لا أحد يعرف أحدًا. حاولت أن أتمالك نفسي، لكن التردّد كان ينهشني من الداخل: "هل هذا الطريق صحيح؟ أسأل؟ لا، لا أسأل... قد أبدو ساذجة."
وبينما أنا على وشك أن أستسلم للارتباك، اقتربت مني امرأة مسنّة، ملامحها طيبة، وقالت بابتسامة:
– نعم يا ابنتي، هذا هو الموقف.
شعرت براحة مؤقتة، وكأن أحدهم أعاد إليّ خيط الأمان. أخرجت هاتفي، فتحت الخريطة، وبدأت أبحث عن طريقي. ظهر لي المسار واضحًا: ثلاثون دقيقة سيرًا على الأقدام. لم أجد بأسًا، فأنا أحب المشي، وربما أتعرف على المدينة أكثر.
بدأت أسير في الشوارع، أراقب كل شيء بعين الفضول. المدينة غريبة بكل تفاصيلها؛ مبانٍ زجاجية تعكس وجهي الغريب عنها، أصوات سيارات لا تهدأ، أشخاص يمرّون بلا ابتسامات، كأنهم مسافرون دائمًا. كنت أمشي وأحدّث نفسي: "أين روح المدن الجامعية التي تخيلتها؟" لا مقاهٍ مليئة بالطلاب، لا مكتبات تنضح بالكتب، فقط أبراج صامتة وطرقات ملتوية.
وفجأة، اهتز هاتفي بين يدي، إشعار من تطبيق الخرائط:
"اكتشف طريقًا مختصرًا – 15 دقيقة بدلًا من 30."
وقفت في مكاني. خمس عشرة دقيقة فقط! أليس هذا رائعًا؟ ولماذا لا أختصر الطريق؟ ما أسهلها من فكرة! ضغطت الزر بكل حماسة، وكأنني اكتشفت كنزًا.
سلكت الطريق الجديد، وكلما تعمقت فيه، تغيّر كل شيء. ازدادت الطرق ضيقًا، والمباني تراجعت لتحل محلها جدران صامتة مغطاة برسومات باهتة. لا محلات، لا مقاهٍ، ولا حتى قطط متسكعة! صمت ثقيل، والريح تعصف بين الأزقة، تلتقط معها أوراقًا جافة تصطدم بأقدامي.
أمسكت هاتفي بقوة، وعيناي تتنقلان بين الخريطة والواقع. كنت أشعر بقلبي يخفق أسرع. ولأخفف عن نفسي، فتحت خاصية مشاركة موقعي مع صديقاتي. ولحسن الحظ، كانت إحداهن متصلة، فاتصلت بها فورًا، وصوتي يرتجف قليلًا:
– مرحبًا! أنا في الطريق... فقط أردت أن أطمئنك أنّني على قيد الحياة!
ضحكت، لكن ضحكتها لم تلبث أن تلاشت من أذني حين شعرت بشيء غريب: هواء بارد يضرب ظهري فجأة، أقشعر بدني كله. التفتُّ بسرعة... لا شيء. قلت في نفسي:
– ربما هو البرد فقط... أو خيالي المرهق.
أكملت السير، حتى سمعت تلك الخطوات. خطوات رجل تتسارع خلفي. تمالكت نفسي، فتحت الكاميرا الأمامية خلسة لأطمئن... فإذا بي أرى فتاة! تمشي ورائي، ملامحها غير واضحة، لكن في حركتها شيء غير مألوف.
حاولت إقناع نفسي:
– ليست نهاية العالم... ربما طالبة مثلي.
لكن قلبي لم يقتنع. بدأت أسرع من خطاي، فأسرعت هي أيضًا، بخطوات غير متزنة. هنا اجتاحني الخوف. تذكرت شيئًا سخيفًا في تلك اللحظة: أنا لا أعرف الركض! منذ طفولتي وأنا أعجز عن ذلك. حتى في تدريبات الإخلاء المدرسية، كنت آخر من يغادر الصف، أركض بطريقة مضحكة كأنني أجرّ قدميّ جرًّا.
لكن الخوف يصنع المعجزات. شعرت بطاقة تنفجر في داخلي، ساقاي تتحركان بقوة لم أعرفها من قبل، وانطلقت أركض بكل ما أوتيت من عزم، وصوتها يلاحقني صوت يشبه السكير ومشيه متعرجه:
– توقفي! أريد أن أتكلم معك فقط! البنات المهذبات لا يركضن!
هل هذا وقت النصائح؟! لم ألتفت. ركضت وركضت، قلبي يكاد يخرج من صدري، أنفاسي تتقطع، والمدينة من حولي تتحول إلى خطوط باهتة، حتى لمحت أخيرًا سور جامعتي يلوح في الأفق كملاذ النجاة.
قفزت داخل البوابة، توقفت لألتقط أنفاسي، وجسدي يرتجف كله. وضعت يدي على ركبتيّ، ورأسي منكّس، ألهث كمن نجا للتو من موت محقق. صديقتي في ا
لسماعة تصرخ:
– ماذا حدث؟ لماذا لا تردين؟!
صديقتي في السماعة تصرخ، وصوتها يأتي متقطعًا من فرط ارتجاف يدي التي ما زالت تمسك بالهاتف:
– ماذا حدث؟ لماذا لا تردين؟!
حاولت أن أفتح فمي لأتكلم، لكن صدري كان كقربة مثقوبة، يلهث بلا نظام. ركزت على التنفس... شهيق... زفير... وأنا أسمع خفقات قلبي تدق في أذني كطبول الحرب. رفعت رأسي ببطء، عيوني تدور حولي في كل اتجاه، أخشى أن أراها خلفي، تقف عند البوابة وتبتسم تلك الابتسامة المريبة.
لكن لا أحد... لا أحد سوى طلاب يتدفقون في هدوء، يحملون دفاترهم وأكواب القهوة، غير مدركين أن عاصفةً مرّت بي قبل ثوانٍ. جلست على أقرب مقعد حجري، ورجلاي ترتجفان كأنهما لا تنتميان إليّ. وضعت الهاتف على أذني أخيرًا، وصوتي يخرج مبحوحًا:
– أنا... أنا وصلت.
صمت للحظة، ثم جاء صوتها صارمًا هذه المرة:
– وصلتِ؟! وما هذا الصوت؟ هل كنتِ تركضين؟!
ضحكت، ضحكة قصيرة مخنوقة كأنها خرجت من تحت أنقاض خوفي، وقلت:
– نعم... كنت أركض.
ارتفع صوتها باللوم:
– ولماذا كل هذا؟ أي طريق سلكتِ؟ لماذا لم تبقي في الطريق الآمن؟
نظرت إلى يدي، كانت ترتجف، أصابعي باردة كأنها غُمست في ثلج. ابتسمت رغم كل شيء، ورددت بهدوء يائس:
– لأنني صدّقت الطريق المختصر... صدّقته!
رفعت رأسي إلى السماء، السحب الرمادية كانت تتزاحم، والريح تعصف من جديد، لكنني هذه المرة لم أشعر بالبرد... كنت أشعر بحرارة غريبة تسري في جسدي، حرارة من شيء واحد فقط: الإنجاز. نعم، نجوت.
أعدت الهاتف إلى أذني وقلت لها، بنبرة امتزج فيها الفخر بالتعب:
– على الأقل... تعلمت شيئًا لم أتعلمه طوال حياتي.
تساءلت هي بفضول:
– وما هو؟
ضحكت من أعماقي، ضحكة مليئة بكل الخوف الذي ذاب في جسدي، بكل التوتر الذي تحول إلى طاقة:
– عرفت كيف أركض!
سكتت هي لثانية، ثم انفجرت ضاحكة، وأنا أشاركها الضحك حتى دمعت عيناي. كنت أضحك لأنني تذكرت شكلي قبل دقائق، أركض بجنون في شوارع غريبة، حقيبتي ترتد على ظهري، شعري يتطاير، وأنا أسمعها تصرخ من بعيد: "البنات المهذبات لا يركضن!"
تنهّدت بعمق، وقفت أخيرًا، وجمعت بقايا شجاعتي، وسرت نحو باب الجامعة بخطوات ثابتة. وبينما أقترب، أقسمت في سرّي:
لن أختار الطريق المختصر مرة أخرى... ولن أنسى أنني، يومًا ما، ركضت كأني أطارد حياتي.
وفجأة، جاء في بالي شيء سخيف جدًا وسط كل هذا الخوف:
"أنا ما أعرف أركض... حرفيًا ما أعرف أركض!"
طول حياتي وأنا كذا. لا عمري شاركت في سباق، ولا حتى حاولت. في المدرسة؟ كنت آخر وحدة في الصف كل ما يقولون "اركضوا"! أركض بخطوات متكسّرة كأني أزحف واقف! وحتى في خطط الإخلاء كنت أمشي وأضحك، ما عندي أي علاقة بالركض السريع. لو سألتوني: "أسرع شيء سويتيه؟" أقول: أمشي بسرعة... لكن أركض؟ مستحيل.
ركبتي ما تعرف، نفسي يختنق، جسمي كله يرفض!
لكن... في اللحظة ذيك، كل الكلام هذا انهار. كأني انضغط على زر خفي في جسمي، فجأة لقيت نفسي أركض. أركض بطريقة ما عمري سويتها، كأني طول حياتي كنت أستعد لها اللحظة بدون ما أدري!
وفي المساء، عدت إلى شقتي في سيارة أوبر، أحدّث نفسي بابتسامة ساخرة:
"يا لروعة المدن الغريبة... كيف تحوّلنا إلى نسخ أخرى من أنفسنا، لننجو!"
ثم غفوت تلك الليلة، وأنا أردد قبل النوم كمن اكتشف موهبة خارقة:
"أنا... أعرف الركض."


شعرت للحظة أني أقرأ جزء من رواية من جمال التفاصيل ، صيري كاتبة ادعمك !
من جمال سردكِ للقصة أحسست أني كنت أركض معكِ وقتها.
والغربةُ وإن كانت مؤلمةً كثيراً إلا أنها ترسم شخصية الإنسانِ