تحس تخصصك مو لك؟ خلني أقولك وش صار معي
-تجربه شخصية-
لم أكن أظن أن رحلة القبول في الجامعة ستكون بهذا الثقل.
كنت أظنها مجرد مرحلة انتقالية، نعبرها بشيء من التوتر ونصل بعدها إلى الاستقرار.
لكنني كنت مخطئة تمامًا.
كل شيء بدأ باختبارات القبول.
ورقة واحدة، ساعة محددة، ومستقبل يُختصر في بضع أسطر.
كنت أذاكر بتوتر، أراجع وأنا أرتجف، وكأنني أسابق شيئًا لا أراه.
لم أكن أواجه الأسئلة وحدها، بل كنت أواجه شعورًا داخليًا قاتمًا يقول: “ماذا لو لم أُقبل؟”
ثم أتت النتيجة.
لم تكن ما أردت.
وما بعدها… كان أصعب.
دخلتُ تخصصًا لم أرغب به، ولم أفكر فيه سابقًا.
تخصص كان يبدو لي بعيدًا عن ميولي، عن شخصيتي، عن كل ما كنت أطمح إليه.
لكن البقاء في المنزل لم يكن خيارًا، لا بالنسبة لي ولا لأهلي.
كان الخوف من الفراغ، من نظرات الناس، من التأخر أكثر، كافيًا لدفع أي إنسان للركض في طريق لا يريده.
دخلتُ التخصص، وأنا أجرّ قدميّ جَرًّا.
في الأسبوع الأول، كنت أعيش بنصف وعي.
أحضر المحاضرات، أجلس في الصف، أفتح الكتب، لكنّ شيئًا في داخلي كان غائبًا.
كنت هناك بجسدي، أما عقلي… فقد ظل يردد طوال الوقت: “أنتِ لا تنتمين إلى هنا.”
مع الأيام، بدأت تتراكم المشاعر.
لكن أكثر ما كان يُوجعني في تلك المرحلة… لم يكن التخصص نفسه.
بل كان في رؤية من حولي، من زميلاتي في المرحلة الثانوية – ولسن صديقات – وهن يُقبلن في المنحة التي طالما تمنّيتها، التي بكيت لأجلها، وسهرت ليالٍ أدرس لأجلها، أدعو الله سرًا وجهارًا أن تكون من نصيبي.
كنَّ أول من سخر منها، يتهكمن على من يدخلها، يقلن إن لا فائدة منها، وأنها تضييع للعمر والجهد.
وكنَّ أوّل من نالها.
تقدمن لها، وقُبلن فيها… بينما أنا، التي أحببتها حقًا، بقيت في طابور الانتظار، أو بالأصح، في هامش النسيان.
كنت أبتسم أمام الناس.
أبارك لهن ببرود مدروس.
لكنّ داخلي كان يغلي، مشاعري كانت تتضارب كالزجاج حين يُكسر.
شعرت بالغيرة، نعم…
وشعرت بالنقص، وكأن العالم بأسره اتفق على تذكيري أنني “لست كافية”.
كنت أتساءل: لماذا؟
لماذا يُعطى الحلم لمن لم يؤمن به؟
ولماذا أُحرَم منه أنا، التي حلمت به من أعماق قلبي؟
كنت في السابعة عشرة من عمري.
عقلي لم يكتمل بعد، وقلبي هش.
وكان من الطبيعي أن تظهر طبيعتي الإنسانية في أقسى صورها:
الغيرة، الغضب، الشعور باللاعدل، الإحساس بالحظ العاثر، وحتى كره الذات.
كنت أعود كل ليلة إلى فراشي، وأعيد سرد الأحداث مرارًا في رأسي، وكأنني أبحث عن خطأ ارتكبته…
شيء يجعل ما حدث لي منطقيًا.
لكني لم أجد شيئًا.
سوى صمتي.
وخيبة ثقيلة
وثم
لم أعد أتفاعل مع أحد. تركت مجموعات الشُعبة. لم أجب على الرسائل. لم أشارك في الأنشطة.
حتى صديقاتي انسحبت منهن بهدوء.
كنتُ أغيب عن العالم شيئًا فشيئًا، وكأنني أُطفئ أنواري واحدة تلو الأخرى
في المحاضرات، كان تركيزي هشًا.
كنت أُتابع الشرح وأفكر: “لو كنتُ في تخصص آخر، ربما كنتُ الآن سعيدة.”
لكن ذلك “اللو” كان يأكلني من الداخل.
كل أسبوعين تقريبًا، يصلني خبر انسحاب أحد الطلاب، فأشعر بوخزة في القلب.
أقول لنفسي: “لماذا لا أملك جرأتهم؟ لماذا لا أهرب مثلهم؟”
لكن الإجابة كانت دائمًا جاهزة: “تأخرتِ كثيرًا. لا مجال للانسحاب الآن.
حاولت التقديم على تأجيل الترم.
قلتُ: “ربما أحتاج وقتًا، هدنة قصيرة ألتقط فيها أنفاسي.”
لكن الطلب رُفض. تأخرت. أُغلقت البوابة.
وبقيتُ عالقة.
شعرت وكأنني محاصَرة في غرفة لا نوافذ لها.
في هذه الفترة، بدأ وجهي يفقد نضارته.
جسدي بدأ يضعف.
نحفٌ واضح، وعيون هاربة، وخطوات بطيئة لا تشبه خطوات من هم في مقتبل العمر.
ابتعدت عن التجمعات العائلية.
لم أعد أتحمل سماع المقارنات:
“بنت خالتك في المسار الصحي!”
“فلانة خلصت السنة الأولى بتقدير ممتاز!”
وأنا؟
كنتُ بالكاد أقاوم البكاء أمام أي سؤال بسيط: “كيف الجامعة؟”
كنت أقول: “تمام.”
وأنا لا أشعر بأي “تمام” في داخلي.
ثم، في لحظة مفصلية، حدث شيء مهم
في منتصف السنه الثانية سئمت.
سئمت من جلد الذات.
كرهت صوتي الداخلي الذي يجلدني كل يوم.
كرهت العبارات التي أكررها: “أنتِ فاشلة، لا تستحقين، تأخرتِ، خذلتِ نفسك.”
سألت نفسي سؤالًا حقيقيًا:
“إلى متى سأبقى أؤذي نفسي؟”
بدأت أفيق. بدأت أبحث عن وسيلة لفهم ما أمر به.
سجلتُ في جلسات نفسية أونلاين.
في البداية كنت مترددة.
لكن أول جلسة جعلتني أشعر بأنني أتنفس بعد غرقٍ طويل.
بدأت أكتب، أدوّن، أفضفض.
كتبت عن تخصصي، عن حزني، عن ضياعي، عن شعوري بالفشل.
وكلما كتبت أكثر، كلما فهمت أكثر.
اكتشفت أنني أنا من جرحت نفسي.
أنا من وضعت سقفًا مستحيلًا للتوقعات.
أنا من ربطت “النجاح” بتخصص معين فقط.
أنا من جعلت نفسي تخجل من تخصصها، بدلًا من أن تمنحه فرصة.
كان تخصصي غريبًا عني، لأنه لم يجد مني احتضانًا.
كنت أتعامل معه كعدو، لا كشريك
ومن هنا، بدأت أولى محاولات الصلح مع ذاتي.
اشتريت دفترًا صغيرًا.
وعدتُ إليه كل يوم، أكتب فيه مشاعري، تخبطاتي، مخاوفي، وحتى لحظات ضعفي.
استخدمت رموزًا لا تفهمها عائلتي.
ذلك الدفتر كان بمثابة مأواي.
ثم بدأت أقرأ عن تخصصي، لا كطالبة مجبرة، بل كشخص باحث.
قرأت قصص الخريجين، شهاداتهم، مجالاتهم، وجدت أشياء لم أرها من قبل.
تخصصي لم يكن سيئًا كما ظننت.
كل ما في الأمر أنني كنت أنظر إليه من ثقب صغير.
بل، وبدأت أفكر بصدق:
لو قبلت في التخصص الذي حلمت به، هل كنتُ حقًا سأكون مرتاحة؟
حين درست إيجابياته وسلبياته بنظرة حيادية، بدأت أرى الوجه الآخر.
تلك التخصصات التي كنت أعشقها من بعيد، لم تكن مثالية.
فيها مشكلات، ضغوط، تحديات قد لا أقدر عليها.
وهنا، بدأت الصورة المثالية تنهار.
تخصصي بدأ يبدو أكثر منطقية، أكثر واقعية، أكثر قابلية للتقبل.
تدريجيًا، اقتربت من الزملاء الذين يحبون التخصص.
راقبتهم، شاهدت شغفهم، ثم قلت لنفسي: “لماذا لا أجرب؟”
شاركتهم. تطوعت معهم. أصبحت جزءًا من الفريق.
بدأت أجد مكانًا لي، ولو صغيرًا.
وبعد سنتين، أصبحت أنا المتحدثة للطلاب الجدد.
كنت أشرح لهم كيف يتقبلون تخصصهم، كيف يرونه من زاوية مختلفة.
ضحكت في داخلي، وأنا أتذكر نفسي:
“أنا؟ من كنت أهرب من المحاضرات؟ من كانت تبكي في دورات المياه؟”
نعم، أنا.
تخرجت.
وبعد التخرج، التحقت بوظيفة في مجال تخصصي.
ولأول مرة، شعرت بأنني أنتمي.
اكتشفت أنني لم أكن غريبة عن هذا التخصص، بل كنت خائفة فقط.
الخوف هو من جعلني أبتعد عنه، لا الكراهية.
اليوم، حين أعود للوراء، أقول بكل صدق:
تخصصي اختارني، قبل أن أختاره.
وأنا وُلدت له، حتى وإن لم أكن أعلم ذلك من البداية.
⸻
ماذا تعلمت من هذه التجربة؟
• أن أصعب معركة هي التي تخوضها مع نفسك.
• أن القبول لا يحدث في يوم، بل هو رحلة طويلة من الفهم، والمرونة، والمصالحة.
• أن الخوف مشروع، والتردد طبيعي، لكن جلد الذات لا يجدي.
• أن المثالية المفرطة قد تعمينا عن الواقع.
• أن الحياة لا تعطيك ما تتوقع، بل ما تحتاج.
• أن الشغف ليس دائمًا البداية… أحيانًا هو النتيجة
أرجوكم أتوصل إليكم كونوا رحيمين مع انفسكم


اشكرك كل الشكر على مشاركتك قصتك.. صدقا كانت ملهمة لي كطالبة ثانوية تائهة
بليغة تلك النقطة ما قبل الأخيرة التي تتحدث عن الشغف. نعم صحيح! قد يكون الشغف نتيجة حتمية للاجتهاد والفهم العميق للمجال أو التخصص وليس شرطا ان يكون هو المحفز من البداية.
شكرًا لمشاركتك التجربة، مررت شخصيًا بتجربة مشابهة وأتفق معك جملةً وتفصيلاً فيما يتعلق بصعوبة الحرب مع النفس.