زهران ممداني… وأحلام أمه المليار
زهران ممداني هو سياسي وناشط اشتراكي أمريكي من أصول هندية ومسلمة. وُلد في 18 أكتوبر 1991 في العاصمة الأوغندية كمبالا، ونشأ لاحقًا في جنوب أفريقيا ثم هاجر إلى الولايات المتحدة وبدأ حياته في نيويورك.
في 4 نوفمبر 2025 انتُخب عمدة لمدينة نيويورك — ليصبح أول مسلم، وأول من أصول جنوب آسيوية، وكذلك الأصغر سنًّا منذ قرابة مئة عام يتولى هذا المنصب.
صعود ممداني كان سريعًا ولافتًا — قبل عام تقريبًا من انتخابه كان شبه مجهول، لكن بفضل خطاب «العدالة الاقتصادية» ورسالة قوية لجعل المعيشة في نيويورك «أكثر معقولية» لـ “الناس العاديين” بدأ يجذب أنظار الشباب وأصوات المهمشين.
من خلفيته: عمل كمستشار إسكان (housing counselor) ثم دخل السياسة.
وعند ترشحه، قدم برنامجًا تقدميًا: دعم الإسكان الميسور، فرض ضرائب أعلى على الأغنياء، رفع الحد الأدنى للأجور، دعم النقل العام والرعاية الاجتماعية، إلى جانب دعم حقوق الحريات المدنية.
انجذاب العرب والمسلمين… ورغبة لا واعية في بطل
حين يتحول السياسي العادي إلى تعويضٍ رمزي عن الفراغ الكبير
ليس الانجذاب إلى زهران ممداني ظاهرة سياسية، بل ظاهرة نفسية-اجتماعية، تُظهر كيف يتعامل العرب والمسلمون مع أي شخص يشبههم ولو جزئيًا، بمجرد أن يصل إلى منصب مؤثّر في الغرب. إن الحاجة إلى «بطل» لا تأتي من تقييم عقلاني لسيرته أو مشاريعه، بل من شعور متراكم بالعجز والتمزّق السياسي الذي تعيشه المنطقة منذ عقود.
هنا يصبح السؤال الحقيقي كما ذكرتِ:
لماذا احتاجوا أن يحبّوه؟
وليس: لماذا أحبّوه؟
شعور تاريخي بالنقص السياسي
العرب والمسلمون يعيشون منذ عقود حالة من الانكسار أمام القوى الكبرى، لا نفوذ مؤثر على الساحة الدولية، ولا قدرة على تغيير الأحداث الكبرى.
عندما يظهر شخصٌ في الغرب — لا سيما في مدينة مثل نيويورك — له اسم عربي أو مظهر مسلم، يشعر الناس بأن جزءًا من «التمثيل» عاد إليهم.
ليس تمثيلًا فعليًا… بل تمثيل رمزي فقط.
كأنهم يقولون لأنفسهم:
إذا كان واحدٌ منّا يستطيع أن يصل، فربما لا يزال لنا مكان في العالم.
هذا التفريغ النفسي يجعل الشخصية أكبر من حجمها عشر مرات.
الرغبة في إعادة كتابة الصورة النمطية
الغرب يصوّر العرب والمسلمين غالبًا كمتطرفين، غير متعلمين، أو “ذوي مشاكل”.
حين يظهر شخص مثقف، بسيط، طليق اللغة، ناجح سياسيًا، ومسلم في الوقت نفسه؛ فإن الجماهير تجد فيه وسيلة لتحدّي الصورة الغربية عنهم.
هو ليس مجرد سياسي؛ هو دليل يُشهَد به للعالم أن الوجود الشرق الأوسط و الإسلام وغيرهم ليس متخلفًا.
وبالتالي يتحوّل حبّه إلى معركة رمزية ضد النظرة الاستشراقية، حتى لو لم يطلب هو ذلك، وحتى لو لم يكن معنيًا بهذا الدور أصلًا.
الحاجة إلى قصة نجاح خارج العالم العربي
النجاح داخل الدول العربية غالبًا مشكوكٌ فيه:
• بعضه مرتبط بنفوذ أو علاقات،
• بعضه مرتبط بفساد،
• وبعضه محاط بإعلام يمجّد كل شيء بلا معايير.
لذلك يبحث الناس عن نجاحٍ «نظيف» في بيئة شفافة مثل الغرب، ويشعرون أن نجاح العربي هناك «أصدق» من نجاحه في وطنه.
هذه الفكرة تدفعهم للتمسّك بممداني وغيره، وكأن صعودهم يعوّض انحدار ما في الداخل.
الخلط بين الهوية والتأثير السياسي
غالبيّة العرب والمسلمين خارج أميركا يعتقدون أن الهوية تعني النفوذ، فيتصوّرون أن ممداني قادر على «نصرة قضاياهم» لأنه مسلم أو من أصول شرقية.
لكن الواقع أن صلاحياته — مهما علت — تدور في إطار محلّي بحت:
إسكان، ضرائب، خدمات، بلدية، شرطة… إلخ.
هنا يظهر الخلط العاطفي الخطير:
الناس لا يبحثون عن سياسي، بل عن رمز.
والرمز عندهم أهم من الفعل.
العاطفة الجمعية: الشعور أننا “أخيرا انتصرنا في معركة رمزية”
المجتمعات التي مرت بصدمات سياسية طويلة تحتاج لأي لحظة تتنفس فيها.
فوز رجل بملامح شرقية في مدينة كبرى يشعرهم بأنهم حققوا جزءًا من العدالة التي لم يحصلوا عليها في بلدانهم.
إنه شعور جمعي:
نحن هنا، ونستطيع الوصول.
حتى لو أن هذا الشخص لا يمثلهم سياسيًا، ولا يرتبط بهم على مستوى الفعل.
التضخيم الإعلامي العربي: صناعة بطل من لا شيء
الإعلام العربي شارك بشكل كبير في دفع ممداني إلى الواجهة كأنه “فتحًا جديدًا”، عبر:
• عناوين مبالغ فيها،
• قراءة ساذجة للمشهد الأميركي،
• تركيز على هويته بدل برنامجه،
• تغطية تروّج له أكثر مما تنتقده.
وهذا الإعلام نفسه يفتقر إلى أدوات تحليل عميقة، فيتحول إلى ماكينة تضخيم.
الحاجة إلى انتصار نفسي يُرمّم الإحباط
لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن حجم الإحباط السياسي الذي يشعر به العرب في ملفات كبرى:
• فلسطين،
• العراق،
• سوريا،
• اليمن،
• انقسامات داخلية لا تنتهي.
كل هذا يُنتج حاجة إلى قصة، ولو صغيرة، تشعر الناس بأن العالم لم يُغلق تمامًا في وجوههم.
وهكذا يصبح زهران ممداني — بدون قصدٍ منه — جزءًا من معالجة جماعية للإحباط
التطبيل المبالغ فيه… وأثره على وعينا الجمعي
لم يكن الاحتفاء بزهران ممداني احتفاءً عابرًا أو منطقيًا؛ بل اتّخذ شكل موجة عاطفية جارفة تجاوزت حدود الإعجاب إلى ما يشبه القداسة السياسية. كثير من المتابعين العرب والمسلمين – ومعهم شرائح واسعة من الهنود – تعاملوا معه بوصفه رمزًا للخلاص أو انتصارًا حضاريًا على عالمٍ لا يمنحهم عادة رموزًا يتصدرون المشهد العالمي.
لكن هذا التهويل لا يأتي بلا ثمن. بل هو ظاهرة خطيرة لها آثار مباشرة على الوعي الجمعي، ويمكن تلخيصها في ثلاث طبقات أساسية:
تعليق آمال غير واقعية على فرد واحد حين تُحمّل شخصية سياسية أكثر مما تحتمل، يصبح كل نجاح بسيط إنجازًا خارقًا، وكل إخفاق كارثة قومية. هذا يخلق شعورًا مستمرًا بالخيبة والإحباط، لأن الواقع السياسي لا يستجيب للعواطف، ولا للأحلام الجماعية التي تُبنى على شخصيات فردية مهما كانت موهوبة.
إلغاء النقد العقلاني التطبيل يحوّل النقاش حول السياسات، القرارات، التناقضات، والسياق السياسي الحقيقي إلى مسألة “ولاء” و”خيانة”. يصبح السؤال: هل أنت معه أو ضده؟ بدل أن يكون: هل يصنع سياسات فعّالة؟ هل يطبّق ما يَعِد؟ هل هو صادق في خطابه؟ وهكذا يتوقف المجتمع عن التفكير النقدي، ويتحول الفضاء السياسي إلى ساحة هتاف لا ساحة تحليل.
إشباع الحاجة النفسية للانتصار بدلاً من فهم الواقع عندما يشعر الناس بالعجز أو بالتهميش السياسي والاجتماعي، يبحثون لاشعوريًا عن “بطلٍ بديل” أو “انتصار رمزي” يعوّض فقدان القوة في الواقع. فيصبح ظهور شخصية مثل ممداني مناسبة لتفريغ هذا الاحتياج العاطفي، بغضّ النظر عن حقيقة تأثيره الفعلي. وهكذا يتحول الشخص إلى مرآة لاحتياجات الجمهور النفسية، لا إلى فاعل سياسي يُقيّم وفق عمله.
النتيجة الأخطر:
يتشكل وعي جماعي هشّ، قادر على الاندفاع خلف أي رمزٍ جديد بمجرد أن يحمل صفة دينية أو خلفية مهاجرة أو خطابًا بسيطًا. وهذا يجعل المجتمعات أكثر قابلية للتضليل، وأكثر استعدادًا للتطبيل لشخصيات لاحقة، حتى وإن كانت أقل وضوحًا أو أكثر تناقضًا
تناقضاته الخطابية… والجمهور الذي يرفض رؤيتها
اللافت في ممداني ليس مواقفه، بل عدم تطابق خطابه مع جمهوره.
يدّعي الدفاع عن الفقراء بينما يقدّم تنازلات سياسية حين تقتضي الظروف.
يدّعي الوضوح لكنه يستخدم خطابًا انتقائيًا يختلف باختلاف الجمهور.
يدّعي الثبات لكنه يبدّل حدّة خطابه بمجرد الاقتراب من مراكز النفوذ.
والجمهور المؤيد يتجاهل هذا كلّه لأن الهوية صارت أقوى من المحتوى
اللعب على كل الأوتار
يعرف ممداني جيدًا كيف يوجّه رسائله.
مع اليسار… هو مناضل.
مع الأقليات… هو ابنهم.
مع الليبراليين… إصلاحي عقلاني.
مع رجال الأعمال… براغماتي يمكن التفاهم معه
خصومه… وخلفياتهم التي خدمت فوزه
لم يكن صعود زهران ممداني حدثًا منفصلًا عن بيئته السياسية؛ بل جاء نتيجة مباشرة لضعف خصومه أكثر مما جاء بسبب قوة برنامجه أو تفوق خطابه. فالطبقة السياسية التي واجهها — السياسيون القدامى، جماعات الضغط، والعقاريون الكبار — كانت تعاني من إرث طويل من انعدام المصداقية. هذا الإرث لم يمنح ممداني شرعية فقط، بل منحه فراغًا أخلاقيًا جاهزًا ليشغله.
خصوم محمّلون بتاريخ فساد وضعف ثقة
الكثير من السياسيين الذين واجههم ممداني كانوا ينتمون إلى:
أحزاب محليّة مرتبطة بصفقات عقارية.
تحالفات مع رجال أعمال ومالكين كبار.
تاريخ من وعود لم تتحقق.
بنية بيروقراطية يُنظَر إليها كامتداد للطبقة الثرية.
هذا جعل ظهور شخصية غير تقليدية — مهاجر، مسلم، يساري، شاب — يبدو للعديد من الناس وكأنه ثورة أخلاقية على النظام القديم.
جيل جديد يرفض السياسيين التقليديين
الجيل الذي صوّت لممداني هو جيل:
فقد ثقته بالحكومة.
يرى أن السياسيين التقليديين يخدمون الأغنياء.
يبحث عن خطاب جديد يعكس غضبه وإحباطه، لا مجرد وعود متكررة.
هذا الجيل لم يكن يريد “سياسيًا خبيرًا”، بل “خصمًا للنظام”.
وفي هذا السياق، كان ممداني يبدو أكثر قربًا لآلامهم من خصومه المتشبثين بصيغ قديمة للسلطة.
فوزه لم يكن نتاج قوة برنامجه… بل سقوط خطاب خصومه
عندما تتراجع الثقة بالنظام السياسي التقليدي، لا يحتاج المرشح الجديد إلى برنامج قوي، بل يحتاج فقط إلى:
أن لا يكون شبيهًا بالسياسيين القدامى.
أن يمتلك خطابًا يُغضب النظام القديم.
أن يبدو أنه “بديل أخلاقي”، حتى لو لم يكن الأكثر خبرة.
ممداني استفاد من هذا الفراغ:
كان يمثل ”النقيض”، لا ”الحل”.
وبالتالي اكتسب دعمًا لم يكن مرتبطًا بفلسفته أو قدرته الإدارية، بل بكونه رمزًا للانفصال عن ممارسات خصومه.
المحور الأخلاقي… كيف تضخّم؟
خصومه مثّلوا الصورة الكلاسيكية للفساد والامتيازات، في حين ظهر هو كمرشح:
شاب.
ذو جذور مهاجرة.
يتحدث بلهجة إصلاحية.
بعيد عن شبكة المصالح القديمة.
الناس لا تنتخب دائمًا الأفضل… بل تنتخب الأقل سوءًا.
وهنا، كانت كفة ممداني تُرجّح ليس لأنه “الأفضل”، بل لأن خصومه كانوا “الأسوأ”
العنصرية والهجمات عليه: لماذا يتعرّض؟ ولماذا يستغل الخصوم الهوية؟
لم يكن الهجوم على زهران ممداني مجرد خلاف سياسي عادي؛ بل تحوّل تدريجيًا إلى حملة طعن في هويته، في دينه، وفي انتمائه الوطني. وقد وصلت الاتهامات إلى مستوى المطالبة بـإثبات جنسيته وكأنه “جسم دخيل” لا يحق له شغل منصب عام. هذه الظاهرة ليست جديدة في السياسة الأمريكية، لكنها تظهر بحدة أكبر كلما صعد شخص لا ينتمي إلى الهوية البيضاء البروتستانتية الكلاسيكية.
لماذا يتعرّض لهذه العنصرية؟
أولًا: لأنه يكسر “النمط التاريخي” للسلطة
أمريكا، رغم خطابها الليبرالي، ما زالت تعمل على نمط ضمني:
السياسي المقبول هو السياسي الذي يشبه تاريخ السلطة.
ممداني — مسلم، مهاجر، ذو جذور آسيوية — يكسر هذا النمط، فيصبح “مزعجًا” للبعض لأن وجوده ذاته يهدد الصورة الذهنية لمن يملكون السلطة تاريخيًا.
ثانيًا: لأنه يمثّل فئة تخافها اليمين الأمريكي
في الخطاب الأمريكي المحافظ، هناك ثلاثة مخاوف رئيسية تُستخدم دائمًا:
الخوف من “المهاجر”
الخوف من “المسلم”
الخوف من “اليساري المتطرف”
ممداني يجمع الثلاثة معًا، وهذه تركيبة تُعتبر “قابلة للهجوم” كلما احتاج الخصوم إلى إثارة الخوف لدى جمهورهم.
ثالثًا: لأن نجاحه يُقرأ كنجاح لجماعات يعتبرها اليمين خطرًا
أي نجاح لشخصية مسلمة أو مهاجرة يُفسَّر على أنه “تقدم” لجماعات لا يريد اليمين أن يراها في مركز قوة.
الهجوم عليه بالتالي ليس هجومًا على شخصه فقط، بل على الرمزية التي يحملها.
لماذا يستغل الخصوم الهوية كسلاح؟
لأن الهجمات الهوياتية أسهل من النقاش السياسي
بدل مناقشة:
الإسكان
الضرائب
العدالة الاجتماعية
إصلاح الشرطة
يلجأ الخصوم إلى أسئلة بدائية مثل
“هل هو فعلاً أمريكي؟”
“هل ولاؤه لأمريكا أم لدولته الأصلية؟”
“هل يمكن لمسلم أن يحكم مدينة كبرى؟”
هذا يُجنّبهم مواجهة النقاش الحقيقي حول السياسات، ويحول الخلاف إلى معركة هوية بسيطة وسهلة للاستهلاك.
لأن الجمهور العاطفي يتفاعل مع الخوف أسرع من التفكير
صناعة “عدوّ خارجي” في السياسة دائمًا خيار فعّال.
والسياسي الذي يهاجمه الخصوم بسبب هويته يتحوّل بسرعة إلى رمز للانقسام، بدل أن يكون موضوعًا للنقاش المنطقي.
لأن الهجمات الهوياتية تُضعف قاعدة دعمه الهدف ليس إسقاطه مباشرة بل
زرع الشك
تشتيت المؤيدين
خلق صورة أنه “خطر ثقافي”
ونقل النقاش من الكفاءة السياسية إلى “هل ينتمي هذا الشخص لنا أم لا؟
لقاء ممداني مع ترامب: عرض للمفارقة السياسية
يُعد اللقاء بين زهران ممداني وترامب مثالًا حيًا على المفارقة بين الخطاب الإعلامي والواقع السياسي. على السطح، بدا اللقاء وديًا، وربما حتى ممتعًا، خاصة بالنظر إلى حجم التبادل الإعلامي العدائي السابق بينهما. هذا التباين بين التصريحات العامة والتصرف الشخصي يعكس قدرة ممداني على المرونة التكتيكية، لكن يثير تساؤلات عميقة حول حدود هذه المرونة
الدرس الرئيسي هنا هو أن الهوية وحدها لا تضمن الولاء للقضايا العربية أو الإسلامية. التاريخ مليء بأمثلة لشخصيات عربية أو مسلمة تولّت مناصب قوة في الغرب، لكنها لم تتحرك بالضرورة لصالح مصالح المنطقة، بل كثيرًا ما خدمت أجندات الدولة أو النظام الذي ينتمي إليه، حتى وإن كان على حساب القضايا التي يفترض أن يمثلها
على المسلمين والعرب أن يتعلموا من التجارب السابقة: الهوية لا تكفي، والسياسات والقرارات هي التي تُقوّم المواقف. يجب تقييم الشخصيات على أساس الأفعال والبرامج الواقعية وليس على الانتماء الرمزي فقط التكرار المستمر لهذا الخطأ يعكس حاجة المجتمع العربي والإسلامي إلى وعي سياسي أعمق، نقد موضوعي، وتمييز بين الرمزية والمصلحة الواقعية


مقال جميل