الإعلامي البوق
من أغرب الأشياء اللي مرت عليّ، مو مشهد سياسي ولا وثيقة مسربة، بل إنسانة، إعلامية، كانت يومًا ما تصرخ وتبكي على الشاشة وتقول إنها مع الحرية كانت تحكي عن الألم والخذلان وكأنها رمز الحرية. كنا نحسبها قوية، تقف مع الحق، ومع الناس، ومع المبدأ.
لكن الأيام كفيلة تكشف الأقنعة، وتعرّي النوايا.
هذي الإعلامية، بكل ما فيها من حكايات وانكسارات، ما كانت يوم صادقة فعلًا. كل شيء فيها كان متحوّل، متبدّل، مرّة تطلع بمظهر المرأة الدينية المحافظة، تقول كلامًا يشبه خطب الجمعات، ومرّة تطلع بصورة المرأة الشرقية الأصيلة، تتغنّى بالمجتمع والتقاليد، ثم فجأة تنقلب وتتحوّل للمرأة الحرة، اللي ما تعترف إلا بصوتها وحقها في التعبير.
كان واضح إنها تلعب بذيلين، بل بثلاثة وأربعة. ما كانت تمثل أحد، كانت تمثل مصلحتها فقط. تمشي وين يمشي الهوى، وتتكلم حسب ما يطلب المخرج. لو قالوا يسار، راحت يسار، لو قالوا يمين، راحت يمين.
لكن مو هنا المشكلة فقط، الكارثة إن هذي الإعلامية استخدموها كبوق لدولة ما تحمل جنسيتها. استخدموها تغطي على أشياء، تلمع شخصيات، تسوّق روايات، حتى صارت لسان من لا لسان له، لكنها كانت دائمًا لسان “المصلحة”، مش الحق.
كيف؟ تواصلت مع شيوخ وتشكرهم في حساباتها و هم معروفين بعدائهم لحقوق المرأة، مع إن خطابها العام كانت تتغنّى فيه بدعم النساء وحرية التعبير. كانت تضحك علينا، أو تضحك على نفسها، أو الاثنين. تكلمت باسم المرأة، لكن جلست في المجالس اللي تنكر عليها أبسط حقوقها.
هل هذا تناقض؟ لا. هذا نفاق واضح، وسقوط مهني لا يمكن تجاهله.
بعد فترة، طبعًا، كافؤوها. عطوها منبر في قناة معروفة، صارت قريبة من رجال سلطة، تم تسويقها كصوت حقيقي، وكمظلومة سابقة رجعت للساحة بقوة. بس كل اللي شفته إنها صارت تكرر خطابهم، تمجّدهم، تطبّل لهم، وأحيانًا حتى تسوّق روايات ضد اللي كانوا يوم من جمهورها.
صارت بوق رسمي، بوق فخم مغلف بحقيبة يد ومكياج وعدسات، لكنه بوق.
الناس تقول: “بس هي مظلومة”.
أنا أقول: ما في مظلوم يكذب، ويبيع الناس، ويركض وراء اللي ظلموه.
ليه دائمًا المسيء يرفض يعترف إنه أخطأ؟
ليه دائمًا يحط نفسه مكان الضحية؟
ليه نحاسب الناس على زلات بسيطة، لكن نغض الطرف عن أخطاء كبيرة ومؤذية مثل التطبيل لشيوخ الأرز، والأنظمة القامعة؟
ليه اللي يبيع ضميره الإعلامي يلقى ألف تبرير، بينما اللي يتمسك بالمبدأ ينرمي في الزاوية؟
ما عندي إجابة أكيدة، لكن عندي شعور بالقرف.
القرف من أي إعلامي يبيع صوته، قلمه، مواقفه، وأفكاره، بكم فلس.
القرف من إعلامي يحول نفسه لصفقة.
أنا لست محلل سياسي. أنا مجرد شخص يقرأ، ويشوف، ويقارن. بس حتى لو كنت بعيد عن كواليس السياسة، أقدر أشوف شيء واضح: فيه تمسيح جوخ، فيه ناس يتم تلميعهم بشكل غريب، فيه أسماء يتم دفعها على الشاشات ويتم وضعها في رأس المدفع لأسباب ما لها علاقة بالمهارة ولا بالمصداقية.
طيب… ليه؟
علشان المال؟ علشان الشهرة؟ علشان العلاقات؟
هل يستحق كل هذا أنك تفقد احترامك لذاتك؟
هل يستحق أنك تخسر جمهورك الحقيقي؟
هل يستحق أنك تبقى في نظر الناس “بوق” مدى الحياة؟
وش هو الإعلامي إذا فقد استقلاليته؟
وش يملك غير حريته؟
غير صدقه؟
غير إنه يكون صوت للناس، مش صوت للسلطة؟
وش يملك غير إنه يقول: “أنا ما أنتمي إلا للحقيقة”؟
ولما ينهار كل هذا، ما يبقى شيء.
يبقى جسد يتكلم، لكن صوته مملوك.
يبقى حساب على السناب ينزل دعايات، ويتلقى دعوات محدودة، ويحاول يرجع للأضواء بطرق باهتة.
بعد التصالح السياسي، تم إبعادها عن الشاشة حفاظًا على مشاعر الطرف الآخر. كانت أداة، فلما خلصت مهمتها، ركنوها. رجعت “فاشنيستا سناب”، شوي تنشر إعلان، وشوي رأي متأخر، وشوي ظهور في مناسبة، وكل ما حست بالملل رجعت تطبل للدوله، ثم تنام.
هل هذا هو المصير اللي تريده الإعلامية لنفسها؟
هل هذا هو المجد؟
هل المال يعوّضك عن احترام الناس؟
هل تقبّل “الدور الوضيع” بكونك مجرد ناقل رسائل الآخرين، أمر مبرر؟
كثير من الإعلاميين في عالمنا العربي فعلوا الشيء نفسه، للأسف. لكن العيب مو فقط فيهم، العيب فينا أيضًا، كمجتمع، لما نصفق لهم، ولما نتجاهل تناقضاتهم، ولما نقول: “عادي، كلهم كذا”، وكأننا فقدنا الأمل في الصدق.
لكنّي ما زلت أؤمن إن الإعلامي النظيف، حتى لو انرُكن، حتى لو جاع، يظل رافع راسه. ينام مرتاح. ما ينكس راسه قدام المراية. لأن الإنسان إذا فقد احترامه لنفسه، وش بقي له؟
أنا ما أطالب بالمثالية.
بس أطالب بعدم النفاق.
إذا أخطأت، اعترف.
إذا بعته، لا تدّعي الشرف.
إذا كنت بوق، لا تتغنّى بالحريّة.
كن واضح مع نفسك. هذا أقل ما يمكن
الزمن ما ينسى. والتاريخ ما يرحم
قد تظن أنها حكاية فرد. إعلامية واحدة. تجربة خاصة. لكن الواقع أكبر من كذا بكثير. هذي مجرد عيّنة من نمط صار مألوف جدًا في مشهدنا الإعلامي العربي، بل ومؤلم بقدر ما هو مفضوح. الإعلامي اللي يخلع مبدأه بسهولة، ويحط بداله بطاقة صرّاف.
صار كثير منهم يشوف الإعلام مهنة للترقي، لا للترفع. يبي منصة، مقعد، نفوذ، حساب بنكي ينفخ، حتى لو على حساب الناس اللي يضحكون، يبكون، يتعاطفون، ويصدقونه. الإعلامي الآن — في كثير من الحالات — ما عاد صانع رأي… بل صار خادم سلطة. والمصيبة الأكبر؟ إنه يُكافأ على هذا الخنوع.
خلني أطرح لك مشهد ثاني:
تخيل إعلامي كان يومًا يكتب ضد الظلم، يتكلم عن الحرية، ينشر تقارير عن القمع، يتظاهر بالاستقلال. ثم فجأة… نفس الشخص صار يكتب مقالات دفاع عن سجّان الأمس، ويبرر تصرفاته، ويهاجم ضحاياه. مو لأنه اقتنع. لا. لأنه نُقل إلى مكان أعلى، وأُعطي فرصًا، ومكافآت، وشاشات.
سؤالي هنا:
كيف ينام هؤلاء؟
كيف يتحملون يعيشون وجوههم متقلّبة بهالشكل؟
هل يضحكون بين أصدقائهم فعلًا؟
هل أولادهم يصدقونهم إذا تكلموا عن الشرف والموقف؟
المجتمع ينسى؟ أحيانًا.
لكن الصورة موجودة، الفيديو محفوظ، المقال مؤرشف.
وكل إنسان له أرشيف، وهذا الأرشيف هو مرآة ضميره.
ما تقدر تمسح ماضيك بالكحل، ولا تخبّي تناقضاتك بالفلتر.
في عالم الإعلام، كل شيء يُرصد، وكل انحناءة تُوثّق.
وهذي الإعلامية اللي تكلمت عنها، مع إنها اليوم “فاشنيستا سناب” — مثل كثيرين من الذين تحولوا من صحفيين إلى مؤثرين — ما زالت تتعامل كأن الناس ما تتذكر.
وتكرر بانها مظلومه
لكننا نتذكر. ونتأمل. ونسأل.
هل كان الثمن يستحق؟
هل فقدان الاحترام العميق مقابل مقعد في طاولة رجال السلطة شيء يُفتخر فيه؟
هل النجاح الحقيقي يقاس بالمتابعين، أو بالدعوات الرسمية، أو بالمواقف الثابتة؟
تخيل لو كانت وقفت على مبدئها، هي لست بحاجه ان تكون بوق لهم
تخيل لو رفضت تصير بوق…
كانت اليوم يمكن تكون رمز. يمكن تُضرب بها الأمثال. يمكن تكون مرجع، مثل الإعلاميين اللي صمدوا، حتى وهم فقراء، حتى وهم ممنوعين.
لكنها اختارت طريق مختلف.
طريق مدهون بالكذب، مملوء بالأوامر، ومحاط بالتصفيق الزائف.
طريق يرفعك بسرعة، ثم يركنك فجأة لما تنتفي الحاجة لك.
طريق ما فيه كرامة… فقط أداء
هل نلومها وحدها؟
لا.
المنظومة أكبر منها.
الأنظمة اللي تصنع مثل هذي النماذج، وتستهلكها، ثم تتخلص منها مثل المناديل، تتحمل جزء كبير من المسؤولية.
لكن في لحظة من اللحظات، كل إعلامي مسؤول عن اختياره.
في النهاية…
القرار قراره.
والسقوط سقوطه.
أنا شخصيًا، ما أزعل من إنسان فشل، أو أخطأ، أو حتى تهوّر.
لكن يزعجني لما ينكر، لما يتمسّك بصورة الضحية، لما يبرر، لما يحوّل كذبه إلى بطولة.
هنا يكون السقوط مضاعف
ما أبالغ لو قلت لك إن الإعلامي الصادق اليوم صار نادر.
صار مثل الألماسة… غالي، وقليل، ومكشوف للضرب.
لكن هذا الإعلامي يظل واقف، لأنه حر.
الحرية ما تعني أنك تسب وتهاجم، لا.
الحرية تعني أنك تقول “لا” لما يطلب منك قول “نعم”.
تعني أنك تقف مع الناس، مش ضدهم، حتى لو كان الثمن كبير.
تعني أنك ما تبيع ماضيك، ولا ترهن لسانك، ولا ترضى تكون بوق حتى لو بذهب
وسط زحمة الشاشات وتهافت الأضواء، تظل بعض الأصوات صامدة، تنتمي لفئة نادرة في هذا الزمن: الإعلاميين الذين لم يبيعوا أنفسهم، ولم ينسلخوا من مبادئهم مقابل حفنة دراهم أو فرصة في بلاط السلطان
يسري فودة… حين رفض الترويض
يسري فودة، كان نجمًا لامعًا في قناة ما، ومعروف بتحقيقاته الاستقصائية الجريئة.
لكنه لم يكن مجرد موظف ضمن آلة إعلامية، بل ظل يحتفظ بخيطه المستقل.
في وقت بدأت فيه بعض الجهات تحاول أن تستثمر صوته لصالح أجندات معينة، انسحب.
يسري كان بإمكانه أن يصمت، أن يستمر، أن يأخذ ماله، ويسوّق ما يُطلب منه.
لكنه لم يفعل.
وهذا سبب احترام الناس له حتى اليوم
غسان بن جدو… الاستقالة عندما يفقد المنبر شرفه
غسان بن جدو، والذي كان يشغل مناصب مهمة داخل القناة، فاجأ الجميع باستقالته عام 2011 في أوج ما يُسمى بـ”الربيع العربي”.
السبب؟ أنه شعر أن القناة تحوّلت من منصة مهنية، إلى ذراع سياسية تتحكم فيها أجندة واحدة.
كتب نصًا صريحًا يقول فيه إن “القناه فقدت مهنيتها وتحولت إلى بوق طرف ضد طرف”، فقرر أن لا يكون جزءًا من هذا الانحراف.
سحب اسمه، وشرفه، ومبدأه… وخرج.
اليوم، بغض النظر عن مواقفه السياسية التي قد نختلف فيها او نوافق تجاهه، يبقى غسان مثالًا لرجل رفض و اشار بعدم الحياديه في وقت الجميع ظلوا صامتين
في زمن الشاشات، صار الفرق بين الإعلامي الشريف، والإعلامي البوق… فرق أخلاقي.
الناس يمكن ما تلاحظ كل شيء، لكن الزمن كشاف.
والتاريخ ما ينسى.
بعضهم يصير له تمثال، وبعضهم يصير له لقب:
بوق مدى الحياة
سؤال أخير… لك، ولي، ولمن يقرأ
لو خيّروك
تبقى حر لكن مهمّش؟
ولا تكون مشهور لكن عبد للأوامر؟


الإعلامي الحقيقي هو الإعلامي الحُر الذي لا يجعل ايًا من كان يتحكم في آرائه ومبادئه التي يؤمن بها ولكن من كُتب عنهم هنا هم أشخاص رأسماليون من الدرجة الأولى ويكرمون الإعلاميين الحقيقيين عندهم فلا استطيع تسمية من تجرد من مبادئه وأمانته المهنية بإعلامي
والمقال جدًا رائع شكرًا لطرحك له