الحياة الجامعيه بين الماضي و الحاضر:
في أوائل الألفينات، كانت الجامعة تشبه حلمًا واسع الأفق، ممتدًّا على مساحة من التجربة، والضحك، والتعارف، و”اللاشيء” الجميل. لم يكن الجميع يدخلها من باب العلم فقط، بل من باب الحياة نفسها. كانت القاعات أشبه بمسارح مفتوحة للقصص والضحكات العابرة، وكانت الساحات مملوءة بشخصيات متنوّعة، بعضها يضحك بصوت عالٍ، وبعضها ينتمي لعصبة مثقفة تنظم الفعاليات والحوارات، وآخرون ينشرون النكات والمقاطع المضحكة التي تلتقط مشهدًا من الحياة الجامعية اليومية،
كان الجو مزيجًا غريبًا من التوتر اللطيف والمرح، هناك من يعاني من صعوبة المواد، صحيح، وهناك من يُطارد بمشاكل عائلية أو ضغوط داخلية، لكن الطابع العام كان أكثر دفئًا، أكثر بشرية. كانت الجامعة مكانًا يشعر فيه الطالب بالانتماء، رغم الفوضى، رغم العشوائية، ورغم الروتين.
ولكن حين تقف اليوم على أبواب الجامعات، لا تجد ذلك الوجه الودود ذاته. تجد بدلًا منه وجوهًا مرهقة، شاردة، غارقة في شاشاتها، تتحدث عبر الرسائل أكثر مما تتحدث بصوتها الحقيقي. تسير الأجساد في الطرقات، لكن الأرواح مشغولة بشيء ما لا يُرى. تغيّر المكان؟ لا. تغيّرت الناس؟ ربما. تغيّر الإحساس؟ بالتأكيد
الجامعة لم تعد ذلك الحلم الذي كان يُروّج له. لم تعد مساحة للعيش بقدر ما صارت آلة ضغط، غرفة مغلقة من التوتر الموزّع بالتساوي بين العلامات، والمنافسة، والخوف من المستقبل، وضياع الهوية، وأحيانًا حتى الاكتئاب الصامت. الصورة التي تُعرض على السوشيال ميديا لا تزال جميلة في بعض الحسابات: صور لطالب يحمل قهوته بكأس أنيق، أو طالبة تكتب على لابتوبها وسط ديكور كوفي فاخر، أو “فلوق” يومي عن الحياة الجامعية يقطر أناقة وهدوءًا.
لكن خلف هذه الصور، هناك نسخ كثيرة من الطلاب لا يشعرون بشيء سوى الضغط، والوحدة، والانفصال عن الذات. الطالبة التي تبتسم في الستوري، تنام وهي تبكي من خوفها من الرسوب. الطالب الذي يكتب تغريدة فكاهية عن “التحضير”، لم يخرج من غرفته منذ أيام لأنه لم يعد يجد سببًا للخروج.
لماذا تغيّرت الحياة الجامعية إلى هذا الحد؟ ليس هناك جواب واحد، بل خيوط متشابكة من الأسباب. بعضها خارجي، وبعضها داخلي، وبعضها عميق لدرجة يصعب تفكيكه
من أول الأسباب وأكثرها وضوحًا هو تغيّر شكل الحياة العامة بسبب التكنولوجيا. في أوائل الألفينات، لم يكن الهاتف الذكي هو بوابة العالم. كان العالم لا يزال ملموسًا، لا يزال يُعاش بالعين واليد. حين أراد الطالب أن يتحدث، جلس مع أصدقائه. حين أراد أن يفرغ ضغوطه، ذهب إلى كافتيريا الجامعة، أو إلى نادٍ طلابي، أو كتب في دفتره. أما الآن، فكل شيء يتم عبر شاشة. وكل شعور لا بد أن يُقاس بنسبة التفاعل عليه. الضحك صار “ميمًا”، والبوح صار “ستوري”، والهوية كلها أصبحت قابلة للتعديل بحسب مزاج الحساب الشخصي.
الانعزال هنا ليس انعزالًا جسديًا فقط، بل هو انعزال وجودي. الطالب يمر بتجربة كاملة داخل رأسه، دون أن يتشاركها حقًا مع أحد، حتى مع أقرب الناس له. وهذا هو ما يجعل الضغط مضاعفًا: لا أحد يعرف، ولا أحد يسأل، ولا أحد يحتمل الشرح.
ثم تأتي الضغوط الأكاديمية، وهي ليست جديدة، لكنها ازدادت حدة، وأصبحت تقاس بمعايير أكثر قسوة. معدلات النجاح لم تعد كافية، بل صارت التفوق هو الحد الأدنى المقبول. يكفي أن تدخل على أي منصة توظيف لترى أن مجرد الشهادة الجامعية أصبحت لا تُعتبر شيئًا إن لم ترفقها بسلسلة دورات، ومهارات، وخبرات تطوعية، وإنجازات خارج المنهج. وكل ذلك يُطلب من طالب بالكاد يستطيع تنظيم وقته بين النوم والمذاكرة
ومن خلف هذا كله، هناك توقعات المجتمع. العائلة التي تنتظر “فلان” يطلع مهندس، و”فلانة” تصير دكتورة، والناس التي تسأل عن المعدل والتقدير وكأن الطالب آلة قياس لا يشعر. لا أحد يسأل “كيف حالك؟” بل “متى تتخرج؟”، أو “قدّمت على وظيفة؟”، أو “ليش ما نزلت مشروع؟”. كل سؤال يحمل وراءه رسالة: أنت لست كافيًا.
الجامعة التي كانت توصف بأنها مكان لصقل الشخصية، أصبحت مكانًا لتفريغ الشحنات النفسية. وحتى الأصدقاء، لم يعودوا بالضرورة ملجأ، لأن أغلبهم يعيش الشعور ذاته، ويخشى أن يُظهر ضعفه. الكل يمثل، الكل يتظاهر، والكل ينهار بصمت
وهنا يُطرح السؤال المؤلم: هل هذا كله خطأ الجيل الجديد؟ هل السبب أن الجيل الحالي “ضعيف”؟ الحقيقة أبعد من ذلك. الجيل الحالي ليس ضعيفًا، بل مثقلًا بما لم يُثقل به أحد من قبله. الجيل هذا نشأ في عالم متقلب، لا ثبات فيه. لا سياسة مستقرة، لا اقتصاد مريح، لا وظائف مضمونة، ولا مستقبل واضح. نشأ بين شاشات تقول له من يجب أن يكون، ومجتمعات تُحبطه لأنه لم يكن كذلك. جيل يُطلب منه أن يكون جريئًا في زمن الخوف، ومبدعًا في نظام تعليمي يُخنق الإبداع، ومتفائلًا في ظل واقع يومي ينذر بالانهيار.
المجتمع كذلك يتحمل مسؤولية كبيرة. لا لأنه قاسٍ فقط، بل لأنه لم يتطور مع الجيل. بقي يرى الجامعة كما كانت في 2002، بينما الطالب يعيش واقع 2025 بكل ما فيه من سرعة، وغموض، وتحولات. الأهل ما زالوا يقيسون “النجاح” بالدرجات، ويحسبون “الانتماء” بعدد الساعات التي يقضيها الابن في الدراسة. والمؤسسات التعليمية كثير منها ما زال يكرر نفسه بنفس الطريقة، بدون أن يسأل: هل ما نفعله لا زال يصلح لهذا الجيل؟ هل هذه القاعة، وهذا المنهج، وهذا الأستاذ، يناسبون طالبًا يعيش في عصر الذكاء الاصطناعي والمنافسة العالمية والقلق الجماعي
وهناك أيضًا البعد الأيديولوجي، الأعمق. تحولات اجتماعية وثقافية ساهمت في تعزيز مفاهيم الفردانية المفرطة، وتراجعت فيها قيمة “الجماعة”. أصبح الطالب يشعر أنه وحده، يقاتل وحده، ينجو وحده، وإذا فشل… فهو الخطأ ذاته. لم يعد هناك إحساس بأن أحدًا سيمد يده، أو أن هناك نظامًا يحمل من يسقط.
كل هذا لم يحدث في يوم وليلة. لكنه تراكم بصمت، حتى وصلنا إلى لحظة أصبحت فيها الجامعة صورة باهتة من نفسها القديمة. لم تعد المكان الذي “تعيش” فيه أربع سنوات، بل المكان الذي تحاول فيه “النجاة” أربع سنوات. وهذا الفرق بين العيش والنجاة هو ما يصنع الفارق العميق بين جيلين، وبين زمنين.
ربما لا نستطيع أن نعيد الجامعة كما كانت، لأن العالم كله تغيّر. لكن ما يمكن فعله هو إعادة الإنسان إلى قلب التجربة الجامعية. أن يعود للطالب صوته، وحضوره، ومساحته الخاصة ليكون، لا ليُنتج فقط. أن نعيد للجامعة إنسانيتها، لا نكتفي بأن نطوّر مرافقها المادية وننسى أرواح ساكنيها.
الجامعة ليست مبنى، بل حياة. وإذا صارت تلك الحياة مصدرًا للحزن، بدل الأمل، فإننا لا نخسر طلابًا فقط… بل نخسر جيلًا كاملًا، كان يمكن أن يكون حيًّا، لا مجرد ناجٍ
…لكن المشكلة الأعمق أن ما نعيشه اليوم لا يُرى بالعين، بل يُحسّ تحت الجلد، في شكل ثقل لا اسم له، في تنهيدة تُحبس قبل أن تخرج، في نظرة جامدة على الشاشة بينما تمرّ المحاضرة دون أن تسجّل في العقل شيئًا. الطالب الجامعي اليوم قد يضحك في الستوري، ويشارك “ميم” ساخر عن الضغط، ثم يطفئ هاتفه ويغوص في صمتٍ لا قاع له. هو لا يعرف لماذا يشعر بهذه الطريقة، فقط يشعر أن العالم صار أسرع منه، وأنه متأخر عن كل شيء، وأنه مهما بذل، فهناك مَن يسبق، ومَن يلمع، ومَن يُعجب به الجميع.
صار التخصص مجرد إجراء إداري، لا يعني أن الطالب يحبه. وصارت الشهادة مجرد تذكرة نحو مجهول مهني لا يحمل ضمانًا. وصار كل شيء يتطلب أكثر مما يملكه الإنسان طبيعيًّا. هل تتقن الإنجليزية؟ هل لديك مشروع جانبي؟ هل شاركت في مؤتمرات؟ هل لديك ملف أعمال؟ هل تصمم؟ هل تطوّر؟ هل تكتب؟ هل تطوّعت؟ كم تتابعك من الناس؟ كم مرة ظهرت في ترند؟ كم نسخة منك يجب أن توجد كي ترضي كل هذه الأسئلة؟
هذا الزخم الساحق جعل من الحياة الجامعية حالة قريبة من الـ burnout الجماعي، لكنها غير معترف بها. لأن الجميع يستمر، لأن العجلة لا تتوقف، لأن الطالب لا يملك رفاهية الوقوف أو الاعتراف بالتعب. بل عليه أن يُكمل، حتى وإن كان على حافة الانهيار. كل من حوله يكمل، فلماذا لا يستطيع هو؟
والخطير أن هذه الحالة لا تنتهي عند التخرج، بل تمتد، وتُرافقه إلى سوق العمل، وتؤسس لشخصية مضطربة في علاقتها بنفسها، تشكك في إنجازاتها، تقارن باستمرار، وتخاف أن تكون أقل من الآخرين، حتى وإن كانت تسير في مسار مختلف تمامًا. هذه ليست مشكلة أكاديمية فقط، بل أزمة وجودية تطال الوعي الذاتي للطالب، وتُشوه شعوره بالقيمة.
وفي خضم كل هذا، تغيب الجامعة ككيان داعم. لا يزال الكثير من الجامعات العربية — والعديد من الجامعات في دول أخرى — يتعامل مع الطالب كرقم في ملف، لا كإنسان يحمل قلقًا، وشكًا، واحتياجًا للدعم. لا توجد مساحات كافية للحوار، ولا آذان تُصغي فعلًا. وحتى حين تُعقد الفعاليات، تُدار وكأنها واجبات شكلية، لا كفرص حقيقية للتفاعل الإنساني العميق.
ومن المؤسف أن كثيرًا من الأسر لا تدرك عمق هذه الأزمة. بعض الآباء ما زال يرى ابنه الجامعي كما لو كان يعيش العصر ذاته الذي عاشه هو. نفس المقارنة، نفس الجُمل: “إحنا كنا نتعب أكثر، بس ما اشتكينا”، أو “أنتو جيل مدلل”. لا أحد ينكر أن لكل جيل مشاكله، لكن ما يعيشه الجيل الحالي مختلف في جوهره. هو لا يواجه العالم الحقيقي فقط، بل يواجه صورته المتوقعة في كل لحظة، ويُحاسَب على عدم الوصول إليها.
الاختناق الجامعي اليوم ليس حالة استثنائية، بل حالة عامة، لكنها صامتة. لا تُعلن عن نفسها، ولا تُذاع في نشرات الأخبار. لكنها تنهش ببطء، وتؤسس لمستقبل هش نفسيًّا. لذلك، لا بد أن تتغير طريقة تعاملنا مع الجامعة والطلاب. لا بد من مؤسسات ترى الإنسان قبل الشهادة. لا بد من أنظمة تراعي النفس قبل العقل، وتحتضن الروح قبل أن تحاسب السلوك.
الحل ليس سحريًّا. هو في تفاصيل صغيرة: في محاضرة يُسمح فيها للنقاش، في أستاذ يُعامل طلابه كأبناء لا كأرقام، في مرشد جامعي يسمع فعلًا، لا يردد الإجراءات. في نادٍ طلابي يُمنح الدعم بدل أن يُخنق بالروتين. في جلسة عفوية تحت شجرة، حيث يُضحك أحدهم الآخر ويقول: “أنا مثلك تمامًا، مو لحالك.”
نعم، ربما لم نعد نعيش الجامعة كما عاشها مَن قبلنا، وربما صارت الصورة الوردية مجرد ذكرى في مقطع قديم، أو في ضحكة محفوظة في أرشيف يوتيوب. لكن هذا لا يعني أننا لا نستحق تجربة مختلفة، أقل قسوة، أكثر صدقًا، وأعمق أثرًا. أن نعود لنشعر أن هذه السنوات، رغم كل تعبها، كانت حقيقية، وليست مجرد مرحلة نريد الهروب منها.
الجامعة ليست اختبارًا، بل فصل من الرواية. وإذا كتبناه كله بالحبر الأسود للقلق، فسنخرج منها حاملين الشهادة، وفاقدين أنفسنا. لهذا، لا بد أن نتساءل: ما قيمة أن ننجح، إن كنا قد فشلنا في أن نكون بشرًا؟
هذا الجيل لا يحتاج إلى إعفاء من المسؤولية، بل إلى فهم حقيقي. لا يحتاج إلى تدليل، بل إلى احتواء. لا يريد أن يسمع أنه “ضعيف”، بل أن يُقال له: “أنا فاهمك… وأنا معك.”
وهذه الجملة وحدها، قد تُغيّر كل شيء
…وإن كانت تلك الجملة البسيطة — “أنا فاهمك، وأنا معك” — لا تُصلح النظام، فإنها على الأقل تُصلح شعورًا. تُرمم قلبًا صغيرًا داخل صدور طلاب جامعيين يتظاهرون بالقوة، وهم بالكاد يلتقطون أنفاسهم. شعور بأن هناك من يرى، من يسمع، من لا يُحمِّلهم كل عبء العالم وحدهم.
حين نغرس هذا الفهم داخل بيئة الجامعة، نعيد تعريف النجاح. لا يعود محصورًا في معدل تراكمي، ولا في من حصل على التدريب الأفضل أو الوظيفة الأسرع، بل فيمن بقي سليمًا داخليًا. فيمن خرج من الجامعة لا فاقدًا ذاته، بل متصالحًا معها، قادرًا على أن يقول: “نعم، تعبت… لكنني نجوت بنفسي، لا منها.”
الجامعة يجب أن تعود لتكون ميدانًا للتجربة، لا مفرمة للإنسان. أن تكون مكانًا يُسمح فيه للخطأ، للتأخير، للتردد، للبحث، للضياع المؤقت. هذه كلها ليست عيوبًا، بل علامات طريق. لأن الشخص الذي يصل إلى هدفه وهو فاقد لشغفه، منهك نفسيًا، مشوَّه داخليًا… لا يمكن أن يُسمى ناجحًا، مهما ارتفع رقمه الوظيفي أو العلمي.
من الظلم أن نطلب من شاب أو شابة في بداية العشرين أن يكون نسخة مكتملة من “الناجح المثالي”. هؤلاء لم يعشوا مراهقتهم كفاية، ولم يستقروا نفسيًا، ولم يجدوا الوقت ليستكشفوا ذواتهم بعمق. فكيف نطلب منهم أن يتقنوا كل شيء في هذا العمر؟ أن يكونوا واثقين، متكاملين، منتجين، محبوبين، مشرقين… في وقت لا يجدون فيه حتى دقيقة صافية لأنفسهم؟
الأزمة ليست في الطالب نفسه. بل في غياب نظام تربوي واجتماعي يضع الإنسان في المركز. لم تخلق الجامعة يومًا لتكون مجرد عبور سريع نحو الشهادة، بل خُلقت لتفتح الباب نحو تشكيل الذات، والوعي، والحوار، والخروج من القوقعة. كانت، ولا تزال، فرصة لصنع الفرد الذي سيبني العالم لاحقًا. فهل نريده أن يبني عالمًا، وهو بالكاد قادر على بناء نفسه؟
ولا ننسى أن هذه المساحة التي يعيش فيها الطالب الجامعي اليوم، هي بيئة يغيب عنها الأمان. أمان الفشل، أمان البطء، أمان التجريب. الكل يلاحقه: الأهل، المجتمع، السوشيال ميديا، الشركات، وحتى الزمن نفسه. كأن لسان حالهم يقول: “أنت متأخر”، مهما فعل، ومهما قدّم. هذه المطاردة المستمرة تجعل الطالب في وضع نفسي دائم من المقارنة والشك والإجهاد. حتى إنجازاته لا يشعر بها، لأنه يرى في كل لحظة مَن ينجز أكثر، أو أسرع، أو “بصورة أجمل”.
ولا نستطيع أن نفصل هذه الضغوط عن السياق العام للعالم: ارتفاع تكاليف المعيشة، ضعف فرص العمل، التحولات الاقتصادية والسياسية، النزاعات، أزمات الهوية، قضايا الوعي، وأحيانًا حتى غياب الإيمان بالمستقبل. كل هذه العوامل تتسرب إلى قلب الطالب دون أن يدركها كأسباب واضحة، لكنها تنخر فيه بهدوء. ولهذا، حين نرى هذا الجيل ينهار أو ينسحب أو يتبلّد، لا يصح أن نقول ببساطة: “هم أضعف من الجيل اللي قبل.” بل نقول: “هم واجهوا ما لم نواجهه نحن، فاستحقوا أن نفهمهم قبل أن نحكم عليهم.”
الفرق الحقيقي بين جيل بداية الألفينات وجيل اليوم، ليس في القدرة، ولا في الذكاء، ولا في الشغف. بل في نوعية العالم الذي احتواهم. الأول احتضنهم بنوع من الهدوء، والبساطة، والانتماء. أما الثاني، فاستقبلهم بصخب، وارتباك، وتسارع لا يرحم. الأوّل وجد نفسه في عالم يعلمه أن يتدرج، أن يخطئ، أن يجرّب. والثاني وجد نفسه في عالم يطالبه أن يكون “مثاليًّا” من اللحظة الأولى.
لهذا، لا بد من حركة وعي صادقة تعيد تقييم الصورة: أن نعيد للجامعة معناها كبيئة تنموية، لا تنافسية مفرطة. أن نغرس داخل الجامعات غرف دعم نفسي حقيقي، لا مجرد ملصقات عن “أهمية الراحة”. أن نُربّي أساتذة لا يكتفون بتقديم المادة، بل يملكون حسًّا إنسانيًّا في مخاطبة الطالب، والتعامل مع احتياجاته وظروفه.
نحتاج لأن نخلق لغة جديدة بين الطالب والجامعة. لغة تخبره أنه ليس عليه أن يكون عظيمًا من اليوم الأول. أن “النجاح الحقيقي” لا يعني أن تفوز على الجميع، بل أن تبني نفسك على مهل، من الداخل إلى الخارج. أن تخبره أن العثرات لا تعني الفشل، وأن السقوط أحيانًا جزء من النضج. أن تقول له بصدق: “نحن لا نريدك متفوقًا فقط… نريدك سليمًا، مرتاحًا، متوازنًا، تشبه نفسك.”
في نهاية الأمر، لا يبقى من الحياة الجامعية تلك الورقة التي نحملها يوم التخرج، بل تلك اللحظات التي شعرنا فيها بأننا ننتمي، بأننا مسموعون، بأننا مرئيون، بأننا لسنا وحدنا. تلك اللحظات التي ضحكنا فيها فجأة وسط ضغط الامتحانات، أو وجدنا صديقًا سحبنا من عزلتنا، أو مشينا في الممرات وشعرنا أن هذا المكان له رائحة تخصنا.
الجامعة لا يجب أن تكون بوابة عبور فقط، بل نقطة بداية، لا نهاية. ومن أجل أن تعود كذلك، لا بد أن نغير نظرتنا كلها. نخلع القناع المثالي، وننظر بصدق في عيون الطلاب الذين ينهارون يوميًا خلف الكواليس. نعيد الإنسانية إلى المشهد، قبل أن نخسرهم جميعًا.
وربما، فقط ربما، حين نعيد بناء هذا الفهم… نعيد للحياة الجامعية لونها، وصوتها، وروحها. ليس كما كانت في بداية الألفينات، بل كما يجب أن تكون… في زمانهم، هم


ودي اطبع المقال وأوزعه على الجامعات
لامسني مقالك وجعلني أدمع، لأنني لم أحب أن نعيش وكأننا روبوتات نسير وفق قوانين معينة، ولابد أن نكون مثاليين ونُحارَب من كل الجهات، وكأن الإنسان مهما بذل من جهد لا يُرى. وهذا ما حدث لي خلال الجامعة، جهدي وتَعَبي لا يَبان إذا لم يُعترف به في الورقة الجامعية، وكأننا في غابة، والبقاء للأقوى. أتمنى أن تكون الجامعة كما كنا نحلم: مكانًا للنمو، والفرح، والتطور، لا للضغط، والانهيار، والبكاء، والاختناق بصمت.